تجلي "آشور" القاتل.. واختطاف النور
لم يكن سقوط دجن سوى الشرارة التي أحرقت ما تبقى من إنسانية في قلب آشور. عندما رأى الساحر الشامي يتدخل ليأخذ "غيمته" وملاكه، استشاط ملك الجن غضباً. لم يعد آشور ذلك الكيان الرقيق الذي يهمس بالوعود؛ بل تحول إلى إعصار مدمر.
"أتظن أن سحر الورق والدموع يمكنه الوقوف في وجه سيد الغمام؟" صرخ آشور، وصوته دوى كقصف الرعد الذي هز أرجاء الرباط.
وفجأة، تمدد جسد آشور ليصبح عملاقاً من الضياء السائل، وانفجرت من خلفه أجنحة ستة منسوجة من البرق الخالص. كانت قوة ملك الجن "آشور" تكمن في سيطرته على العناصر؛ فجأة، بدأت جاذبية المكان تنهار، وارتفعت أحجار الجامعة وسياراتها في الهواء بفعل طاقته. أطلق آشور صرخةً استدعت "جيش الغمام"، كائنات نورانية محاربة هبطت من السماء كالسحب السريعة، وبدأت تمزق شياطين لجد وتصدم دروع ساحر الشام. كانت قوة آشور كفيلة بمحو حي كامل، لولا أن "ملاك" كانت في المركز، يحميها دجن بجسده المتهالك.
الساحر الشامي، رغم دهشته من قوة الملك، كان يمتلك سلاحاً أمضى من القوة: الخديعة.
بينما كان آشور منشغلاً في معركته الملحمية ضد "لجد" وجيوشه، أوعز الساحر إلى ظله الخاص. ومن تحت أقدام ملاك، انشقت الأرض عن طلاسم سورية قديمة كانت مخبأة منذ زمن بعيد في التربة المغربية.
بلمح البصر، وقبل أن يدرك دجن أو آشور ما يحدث، ألقى الساحر "عباءة النسيان" على ملاك. صرخت ملاك صرخة مخنوقة قبل أن تتلاشى في فجوة زمنية فتحها الساحر.
"لقد أخذتُ الجائزة!" صاح ساحر الشام بضحكة جنونية، وهو يختفي خلف بوابة من الدخان، ساحباً ملاك معه نحو معقله السري في غوطة دمشق، حيث السحر الأسود لا تحده حدود.
توقف الزمان والمكان للحظة.
آشور، الذي كان في ذروة تجليه الملكي، صُعق برؤية ملاك تختفي. تلاشت أجنحته البرقية وحل محلها ذهول قاتل. أما دجن، الذي كان ينزف سواداً، فقد شعر بتمزق في روحه؛ فبما أنه "قرينها"، فإن اختطافها بعيداً يعني تمزيق الرابط الوجودي الذي يبقيه على قيد الحياة.
نهض دجن جاثياً، يرتجف من الألم، ونظر إلى الملك آشور. لم يعد هناك عداء في عينيه، بل كان هناك "يأس" مشترك.
"أيها الملك.." حشرج دجن بصوت مثقل بالدم، "سحرك النوراني لن يجدها في سراديب الشام، وقوتي المظلمة لن تكفي لكسر أختام سيدي بمفردي. لقد خطف 'ملاكي' و'نورك'.. فهل تضع يدك في يد 'الشيطان' الذي طالما كرهته لنعيدها؟"
وقف آشور، وقد استعاد هيئته البشرية لكن بعينين تشتعلان بنار الانتقام. نظر إلى دجن، ثم إلى البوابة المحترقة التي خلّفها الساحر.
"قسماً بعرش الغمام وبالبحر الذي يحدّ بلادكم،" قال آشور بصوت بارد كالموت، "سأحرق الشام شبراً بشبر، وسأمزق روح ساحرك بيدي هاتين. دجن.. قدني إلى جحيم سيدك!"
وهكذا، في أغرب تحالف شهده عالم الجن والإنس، انطلق الملك النوراني والقرين المظلم في رحلة عبر الأبعاد، مقتفين أثر ملاك، بينما كانت هي تستفيق في قبو مظلم تحت دمشق، لتجد ساحر الشام يجهز طقوساً مرعبة لانتزاع أسرار "عالم الجن" من عقلها مباشرة.